التسويق والإعلام
الإرهاب و الكباب و الخبز و المخدرات
نُشر أولاً في ماركيتيرز بتاريخ 6 يناير 2018؛ اقرأه على الموقع الأصلي.
قضيت مراهقتي و أنا انتظر ابريق الشاي (براد الشاهي باللهجة السعودية) الذي كانت أمي تحذرني منه صباحاً و مساءً. براد الشاهي ذاك الذي سيقدمه لي أصدقاء السوء في المدرسة و يملؤونه بالمخدرات ليجعلوني أدمن و من ثم يبدؤون ببيعي المخدرات و القضاء على حياتي.
و عبثًا حاولت أن أشرح لوالدتي حفظها الله أن شلة المدرسة كادوا يبيعونني عبداً لمطعم الفول المجاور لمدرستنا عوضاً عن مبلغ القطه، و الذي أفصحت لهم بكل ظرافة أني لا امتلكه بعدما أنهينا فطورنا. مبلغ القطه كان ثلاثة ريالات، أي أن أصدقائي كانوا أكثر فقرا و أقصر بصيرة من أن يقدموا لي مخدرات بالمجان.
لم تكن أمي الوحيدة التي تعاني من كابوس براد الشاهي، الفزع العام من المخدرات و أخطارها كان نتيجة حملة وطنيه مكثفة في تلك الفترة موجهه لتوعية المراهقين بأضرار المخدرات تسمى “لا للمخدرات”. و أتوقع أن الحملة ربما تكون مستوحاة من حملة “فقط قل لا” التي أطلقتها السيدة نانسي ريجان خلال فترة رئاسة زوجها الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان لتوعية مراهقي أمريكا بخطر المخدرات. لاتزال هذه الحملات مستمرة حول العالم، يقدر إنفاق الكونجرس الأمريكي على حملات مكافحة المخدرات ضمن المراهقين الأمريكيين بما يقارب المليار دولار بين عامي 1989 و 2014. و رغم عدم وجود معلومات عن حجم الإنفاق في السعودية على هذه الحملات، لكن في العام الماضي وحده أعلنت شركة سعودية واحدة عن تقديمها مبلغ خمسين مليون ريال دعماً لإحدى الحملات الوطنية لمكافحة المخدرات.
السؤال الآن: هل هي فعلا مكافحة؟ هل هذا الإنفاق فعلا ذو مردود؟
قام بروفيسور الاتصال روبرت هورنك من جامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة بإجراء دراسة على المراهقين الذي شملتهم هذه الحملات، ليجد أن المراهقين الذي تابعوا هذه الحملات كانوا الأكثر قابلية لتجربة المخدرات في حال عرضت عليهم. لأوضح أكثر، صاحب الحملة يفترض أن المراهق سيتعرض عاجلاً أم آجلاً لمن يعرض عليه المخدرات، صديق، قريب غريب، شخص ما، اذاً لابد أن نعلم المراهق كيف يقول “لا” عندما يواجه هذا العرض. منطق بسيط و مباشر، أليس كذلك؟ الحقيقة هو أن هذا المنطق أبسط من اللازم، مايحدث فعلا هو أن صاحب الحملة يخبر المراهق أن العديد من الناس حوله يستخدمون مايسمى بالمخدرات، و بالتالي يقدم صاحب الحملة للمراهق مانسميه تسويقيا بالبرهنة الاجتماعية، و هي تلك الظاهرة التي تجعلك تختار مطعم الكباب المزدحم بدلا من مطعم الكباب الخالي رغم أنك لم تجرب أي منهما بعد، ذات الظاهرة التي تجعل الإعلانات تسوق لك المنتجات بقولها: المنتج الأكثر انتشارا في العالم. علمياً، هذه الحملات تساهم بانتشار المخدرات بين المراهقين، لا في مكافحتها.
السؤال الأهم و الأكثر خطورة الآن، ما هو برأيكم التأثير الذي يحدثه نشر معلومات عن القبض على عشرات الإرهابيين و رواية تفاصيل أعمالهم؟
ما أريد قوله هو: أعط الخبز لخبازه، لكي تحصل على خبز.