القيادة والناس
أكثر غلطة يرتكبها الأذكياء و يخسرون مدرائهم
جيد، مجرد فتحك لهذا المقال يعني أنك تعتقد في نفسك الذكاء، من الجميل أن يتحلى المرء بالثقة. الآن أسكب لنفسك فنجانا من الشاي و دعني أحكي لك هاتين القصتين:
بعد أن حاصر القائد الروماني بوبيلوس مدينة برجاموس اليونانية، وجد أنه بحاجة الى عمود لدك ثغرة في أسوار المدينة، و تذكر أنه رأى ساريتين في مستودعات الذخيرة العسكرية، و فعلا أرسل جنوده لإحضار السارية الكبيرة.
عندما وصل الجنود الى المستودعات و أبلغوا المهندس العسكري بطلب القائد أخبرهم المهندس أن عليهم أن يأخذوا السارية الأصغر لأنها الأنسب لهذه المهمة و أسهل للجنود في الحمل و النقل. عبثاً حاول الجنود إفهام المهندس العسكري أن أوامرهم تقضي بإحضار السارية الكبيرة و ليست الصغيرة. بل حتى عندما أجبر الجنود المهندس على تسليمهم السارية الكبيرة انتظر المهندس حتى غفل الجنود و بدل السواري و أعطاهم السارية الأصغر لأنه لم يكن قادراً على أن يرى المهمة تفشل بسبب تراخيه.
وصل الجنود الى القائد بوبليوس، و الذي ما أن رأى السارية صغيرة حتى طلب تفسيراً فورياً. أخبره الجنود حينها بنقاشهم مع المهندس و ماتلاه من أحداث و طلب القائد حضور المهندس. بعد بضعة أيام وصل المهندس العسكري و شرع بكل حماس يشرح للقائد الرسوم الهندسية و الاستخدامات المثلى للسارية الصغيرة في اختراق جدران الأسوار. انتظر القائد الروماني بكل صبر حتى أكمل المهندس كلامه، ثم أمر الجنود أن يجردوه من ملابسه و يجلدوه حتى الموت، و أن يستخدموا السارية الكبيرة في خرق السور.
هل هذا عدل؟ إخلاص المهندس لعمله و حبه للجنرال جعله يأبى أن يرتكب غلطة فادحة قد تودي بأروح الجنود و تؤخر المعركة، و تقابل هذه البطولة بالعقاب؟!!
مالم يدركه المهندس هو أنه أهان القائد عندما اظهر للجنود جهل القائد بتقنيات الآليات العسكرية، و متى؟ في وسط معركة! و مالم يتوقعه المهندس هو أن القائد استشاط غضباً و ترك الحصار و المعركة و ركز على الثأر لكرامته و أن يجعل من هذا الوقح عبرة لكل جندي تسول له نفسه الاستهانة بأوامر القائد.
السؤال الآن: و هل كان من المفترض أن “يطنش” المهندس و يربط الحمار حيثما يرغب صاحبه و ب “حريقه”؟
أسكب لنفسك يارعاك الله فنجاناً آخر من الشاي و دعني أخبرك قصة مايكل انجلو، و الذي كان أعظم نحات في عصر النهضة الإيطالي. كان من المهارة حتى أن الوزير بيرو سوديريني أحضره من روما الى فلورنسا لإصلاح تمثال عجز حتى ليورنادو دافنشي عن إصلاحه بعد أن أتلفه نحات غير ماهر، و كادت قطعة الرخام الغالية جدا تلك أن تذهب الى القمامة.
وصل مايكل انجلو الى فلورنسا و قرر أن ينحت من قطعة الرخام تلك تمثالا جديداً و أصلح الخطأ. لكن عندما دخل الوزير سوديريني و نظر الى التمثال قال لمايكل ان الأنف يبدو كبيرا بعض الشئ، و فعلا حمل مايكل انجلو المطرقة و طلب من سوديريني أن يصعد السقالة ليشاهد ويعطيه التوجيهات. بعد عدة طرقات تلألأ وجه سوديريني و هو يصرخ في مايكل انجلو “الآن بعثت الحياة في التمثال يامايكل، شكرا لك !!”
مالم يعرفه سوديريني أن مايكل لم يعدل أي شيء!!
لنفهم الموقف، بيرو سوديريني هو أحد أهم و أقوى رجال فلورنسا في ذلك الوقت و يعتز بكونه متذوقاً رفيعاً للفن. و مع ذلك عندما أتى سوديريني ليقيم التمثال وقف في الزاوية الخطأ، و هي غلطة لايفعلها الا مبتدئ. هل قام مايكل انجلو بمواجهة سوديريني بخطأه؟ لا، بل اخفى مايكل انجلو بعض التراب في باطن يده و طلب من سوديرني أن يصعد السقاله و يعطيه التوجيهات بهدف أن يجعل سوديرني يقف في الزاوية الصحيحة، و تظاهر بالطرق على أنف التمثال وهو يسقط التراب من يده كأنه ينحت.
مايكل انجلو حصل على ماله، سوديريني حصل على تمثاله، و خرج اثنينهم سعداء.
أكثر خطأ رأيت الأذكياء و المتميزين يقعون فيه في بيئات العمل هو أنهم ينسون أن مدرائهم هم مجرد بشر، و أن تصرفاتهم و أحكامهم لاتنبع دائما من منطق صاف أو استناداً على دلائل علمية، بل (وفي معظم الأحيان) تحكمهم عواطفهم و تفسيرهم الخاص لما يقدم لهم من معلومات. و يحدث الصدام عندما يحبط الموظف من تجاهل مديره لأفكاره، و يغضب المدير من عدم احترام موظفيه له. الحل هو في فهم أن توقيت و طريقة إيصال المعلومة هما أكثر أهمية من المعلومة ذاتها في بيئات العمل.