فنجان قهوة عربية صغير وكوب قهوة على صحنه فوق طاولة مقهى مستديرة، وعلى الجدار خلفهما شق طويل يتساقط منه الغبار وإطار صورة مائل.

المجتمع السعودي

يجب إصلاح حال السعوديين

إكس 4 دقائق للقراءة

بدأت هذه المادة منشوراً على إكس. اقرأ الأصل

اهتز جدار المقهى، وشحب وجه الخواجة وهو يسألني: ما هذا؟

قلت له ضاحكاً: أحد الذين يريدون إصلاح حالي.

ردة فعل الخواجة لم تكن لطيفة.

كان ذلك يوم الثلاثاء 13 أكتوبر، يوم أعلن اللواء الركن تركي المالكي اعتراض ثلاث مسيّرات شمال الرياض، بعد ثلاثة أيام من الاعتداء الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي وأسفر عن 12 شهيداً نسأل الله أن يحسن عزاء ذويهم، و309 مصابين نسأل الله لهم الشفاء العاجل.

لأشرح ما حدث أحتاج إلى أن أحكي قصتين، قصتي وقصة الخواجة.

قصتي

منذ وعيت على هذه الدنيا في هذا البلد وأنا أعلم أن بلدي غني، وأن قيادتي محبوبة، وأن حكومتي منضبطة. لكن منذ وعيت أيضاً وأنا أرى من يحاول أن يصلح حالي، مرة بخطاب ديني، مرة بخطاب تكفيري، مرة بخطاب تخويني، مرة بخطاب تهييجي. وكل جيل من المصلحين يحاول إقناعي بوسيلة أخطر من سابقه.

على سبيل المثال، في سنة مولدي، 1979، اقتحم جهيمان ومسلحوه الحرم المكي، وانتهكوا حرمة أطهر البقاع بدعوى الإصلاح.

في 1990 احتُلت الجارة الكويت ووصل الغزو إلى حدود بلادي. ولن أنسى غضبة أبي، الشاب النحيل وقتها، لأنه لم يُقبل في المجهود التطوعي. يا أبو بندر، بيّض الله وجهك، بس وقتها اكتفوا.

ثم جاء التفجير، بدعوى الإصلاح أيضاً: العليا في 13 نوفمبر 1995، وأبراج الخبر في 25 يونيو 1996، ثم ليلة 12 مايو 2003 حين انفجرت ثلاثة مجمعات سكنية في الرياض في ساعة واحدة، وراح ضحيتها عشرات الأبرياء وأكثر من 160 جريحاً.

وفي 2015 تغيّرت الوسيلة إلى المسيّرات: أُطلق على المملكة 430 صاروخاً باليستياً و851 مسيّرة، بدعوى الإصلاح.

وفي 14 سبتمبر 2019 ضرب هجوم بقيق وخريص 5.7 مليون برميل يومياً، نصف إنتاجنا و5% من إمدادات العالم، أيضاً للإصلاح.

بالمناسبة، عاد حقل خريص للإنتاج خلال 24 ساعة، وعادت الطاقة الإنتاجية كاملة في أحد عشر يوماً.

سابقاً لم أكن أستطيع فهم ماذا يريدون أن يصلحوا في حالي؟ لم أبت يوماً جائعاً، لم أبت يوماً خائفاً، لم أبت يوماً مغبوناً. أول عمل خير لي كان في حملة دعم فلسطين المدرسية، وأول صورة لي لا تزال موجودة هي لي في إحرامي متجهين بسيارتنا البويك بوكس إلى مكة للعمرة. ولا يزال قلبي ينشرح عندما أسمع أطفالي يغنون “تبتسم لك يا محمد كل يوم” في كل يوم وطني.

لعلي مغيَّب، دعوني أتأكد من الأرقام:

البنك الدولي يقول إن نصيب الفرد في المملكة من الناتج المحلي كان 1,509 دولارات عام 1970، وبلغ 34,537 دولاراً عام 2025.

الاقتصاد السعودي كان حجمه لا يتجاوز 5.4 مليار دولار عام 1970، وأصبح الآن 1.28 تريليون دولار، التاسع عشر عالمياً.

البطالة الإجمالية في المملكة 3.5% نهاية 2025، من الأدنى عالمياً.

97.7% من سكان المملكة يشعرون بالأمان أثناء المشي ليلاً في أحيائهم، الأعلى بين دول العشرين.

دولتنا من أصغر دول العشرين عمراً، تأسست عام 1932، وفي الوقت نفسه من أكثرها استقراراً: 94 عاماً بنظام حكم واضح ووضع سياسي مستقر واستقلال مشرف، وأكثر من نصف دول مجموعة العشرين لا تستطيع ادعاء الاستقرار نفسه.

جودة حياة أبنائي، بالأرقام لا بالعاطفة، ستكون أفضل من جودة حياتي، والتي هي أعلى من جودة حياة أبي أطال الله في عمره. مر العالم من حولي بانهيارات اقتصادية وأوبئة وكساد وأنا وأهلي نتفرج عليها كما كنا نشاهد المصارعة الحرة بصوت الراشد ليالي الثلاثاء.

إذاً، الحمد لله، ما على السعوديين قاصر. لكن الغريب أن جيراني يعانون، وهم أحق مني بالمساعدة في إصلاح حالهم، لكن هؤلاء المصلحين لا يعرفون طريقاً إليهم، بل يتجنبونهم. بل إن دولاً مستقرة في الطرف الآخر من الأرض تستحق جولة من المصلحين أكثر مني، خذوا صاحبي الخواجة مثالاً، وقد وصلنا الآن إلى قصته.

قصة الخواجة

يقع بلده في أقصى الأرض. أرض جميلة وشعب طيب وحكومة منظمة، لكن أرقامها تقول شيئاً يستحق التأمل:

فجوة البنية التحتية هناك تُقدَّر بـ244 مليار دولار بعملتهم المحلية بحسب هيئة البنية التحتية في بلدهم، بما يعادل أكثر من نصف الناتج المحلي السنوي. تهالكت بنيتهم حتى أصبحت تكاليف تحسين جودة الحياة تشكل خطراً على جودة الحياة ذاتها، فرضوا بما هم فيه.

المفارقة أن بلده ينفق 5.8% من ناتجه على البنية التحتية، من أعلى النسب في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومع ذلك يحتل المرتبة الرابعة من الأسفل في إدارة الأصول بين دول المنظمة. ونصف مقترحات البنية التحتية في ميزانيات 2023 و2024 قُدّمت بلا دراسة جدوى.

أما القرار، فيأخذ في دولته سنين حتى يصدر، ثم يموت الراعي وتفنى الغنم قبل أن يبدأ تنفيذه: مشروع القطار الخفيف في أكبر مدنه بدأ عام 2017، وأُنفق عليه 228 مليون دولار على مدى ست سنوات، ثم أُلغي في يناير 2024 دون أن يُمدّ متر واحد من السكة.

ورغم ذلك، لا يرغب المصلحون في أن يتجهوا إلى هناك.

الخاتمة

جوّالة الإصلاح يريدون بلداً منتعشاً، ثروات مليارية، مشاكل قليلة، هم يحبون الثمار الجاهزة. بالنسبة لصديقي الخواجة ذلك الصوت الذي أرعبه غير مألوف، فهو لم يتعود وجود الجوّالة المصلحين حوله. أما بالنسبة لي فقد رأيت غثاءً بعد غثاء من مدعي الإصلاح والفضيلة وتحرير القضية، من جهيمان إلى المسيّرة، ورأيتهم يأتون ويفشلون ويرحلون، ورأيتهم يظلون غرباء في وطن يحب مواطنيه وسكانه وقيادته ويحبونه. علمت، بالمشاهدة واليقين وبالأرقام، أن وطني سيظل دائماً بخير وعلى خير.

حفظ الله مملكتنا الحبيبة وشعبها وقيادتها، وأدام الله علينا عزه وأمنه ورخاءه.

رسم محفور لبندر الحطاب

عن الكاتب

بندر الحطاب

بندر الحطاب، تنفيذي سعودي في التسويق والاتصال والاستراتيجية، تأهل أخصائياً نفسياً، ويكتب مقالات الرأي منذ عام 2017.

عن بندر

النشرة

مقالات جديدة في بريدك، حين تصدر فقط.

[FORM PENDING: KIT_FORM_ESSAYS in src/config.ts]